بغداد/..
في عصر تتسارع فيه التقنيات الرقمية وتتنامى قدرات الذكاء الاصطناعي، أصبح التزييف العميق سلاحًا رقميًا مزدوج الحافة، يُستخدم في الخداع والتلاعب بالمحتوى البصري والصوتي بطرق يصعب كشفها. ومع تزايد اعتماده في حملات التضليل الإعلامي، بات يشكل تهديدًا خطيرًا للحقيقة، إذ يمكن استغلاله لتشويه السمعة، والتأثير على الرأي العام، والتلاعب بالوقائع في سياقات سياسية وإعلامية حساسة، مثل الانتخابات والصراعات الدولية.
في ظل هذا الواقع، تتعاظم الحاجة إلى أدوات كشف التزييف العميق واستراتيجيات التحقق، التي تجمع بين التحليل اليدوي والتقنيات الذكية. فالتعامل مع هذه الظاهرة لا يقتصر على تطوير تقنيات الكشف، بل يمتد ليشمل بناء وعي رقمي يمكّن الأفراد والصحفيين من التمييز بين المحتوى الحقيقي والمُزيف.
وفي دراسة لمجتمع التحقق العربي – منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت-، تتطلب مكافحة التضليل الرقمي نهجا مركبا يجمع بين الفحص اليدوي والأدوات التقنية المتخصصة. يبدأ ذلك بالتحقق من الفيديوهات المشبوهة عبر تحديد علامات التزييف المحتملة، والتي تشمل العيوب التقنية وعدم اتساق المحتوى مع السياق العام. ويعد التحقق من موثوقية الجهة الناشرة للفيديو أو المروجين له على وسائل التواصل الاجتماعي خطوة أساسية، فمن المهم التأكد من تاريخ المصدر وسجله في نشر الأخبار، ومعرفة ما إذا كان قد شارك سابقا في حملات تضليل إعلامي، إضافة إلى تقييم علاقته بالجهة أو الشخصية الظاهرة في الفيديو.
غالبا ما تحتوي الفيديوهات المزيفة على عيوب بصرية وصوتية واضحة، مثل عدم تطابق حركات الشفاه مع الصوت، أو ظهور ألوان وظلال غير طبيعية، أو ثبات غير طبيعي في حركة العين، أو تشوهات في تفاصيل الوجه مثل الوميض غير الطبيعي، واختلال في مواضع المقتنيات كالأزرار والمجوهرات، إضافة إلى حركات غير متناسقة للوجه أو الجسم، وضبابية أو تشويه متعمد لإخفاء عيوب التزييف، فضلا عن تقييم معقولية الأحداث أو التصريحات الواردة في الفيديو، وفقا للدراسة.
وتستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في الكشف عن المحتوى المزيف من خلال تحليل الفروق الدقيقة في الفيديوهات والصوتيات. ومن أبرز الأدوات المتخصصة في هذا المجال أداة Resemble AI – deepfake detector التي تعتمد على نماذج متطورة لتحليل مقاطع الفيديو والصوت واكتشاف أي تعديل أو تلاعب، بالإضافة إلى تطبيق Attestiv Video الذي يستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد العناصر المصطنعة داخل الوسائط البصرية. كما توجد أداة BioId التي تكشف عن الوجوه المصطنعة أو المعدلة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأداة Deepware التي تحلل مقاطع الفيديو لتحديد ما إذا كانت تحتوي على عناصر مزيفة.
على الرغم من تطور أدوات الكشف، إلا أن هناك تحديات تعيق فعاليتها، إذ تواجه الأدوات مشكلة انخفاض جودة المحتوى، حيث يؤدي ضعف دقة الفيديو أو الإضاءة السيئة إلى تقليل كفاءة أنظمة التحليل. كما أن نماذج تدريب هذه الأدوات قد تكون محدودة، ما يجعلها غير قادرة على التعرف على التزييفات الحديثة غير المشمولة في بياناتها التدريبية. بالإضافة إلى ذلك، يظهر باستمرار تزييف أكثر تقدما قد لا تستطيع الأنظمة الحالية كشفه، ما يزيد من تعقيد المواجهة بين تقنيات التزييف ووسائل الكشف عنها. كما أن التكلفة المرتفعة لهذه الأدوات تجعل من الصعب على الصحفيين المستقلين والمؤسسات ذات الموارد المحدودة الوصول إليها.
حول هذا الموضوع، أكد الأستاذ الدكتور عمار طاهر، عميد كلية الإعلام بجامعة بغداد، أن “التزييف العميق يشكل تهديدا خطيرا لصدقية الإعلام، ما يستوجب تكثيف الجهود البحثية والأكاديمية لمواكبة التطورات التقنية في كشف التزييف الرقمي”.
وشدد الدكتور طاهر على ضرورة أن “يتسلح الصحفي بأدوات التحقق الحديثة وأن يتحلى بالوعي الرقمي لمواجهة هذه التحديات، فالحقيقة في العصر الرقمي باتت بحاجة إلى حماية أكثر من أي وقت مضى”.
في الختام، تبقى الحقيقة هي الركيزة الأساسية للإعلام المسؤول، وحمايتها تتطلب يقظة مستمرة، وتعاونا بين الأفراد والمؤسسات لمجابهة هذه الموجة المتنامية من التضليل الرقمي. انتهى/64
تم تعطيل التعليقات